عبد الوهاب بن السلار
34
كتاب طبقات القراء السبعة
العزم ، وأخذت ذلك بالجد والحزم ، طلبا بالإتقان والتجويد ، وحرصا على الشمول في مجيد حملة القرآن المجيد ، فقلّ إمام به مذكور ، إلا وقد تهاداني إليه رواح وبكور ، إلى أن نسقهم سلك إسنادي ، ووريت بلقائهم زنادي ، وخدمت أنديتهم التي تحتم الرحمة فيها ، وتضع الملائكة أجنحتها لمنتديها ، فصدرت بحمد اللّه عن الأئمة والرواة كما صدر الظمآن عن الفرات ، واللّه تعالى ينفع بعمر أنفقته في سبيله ، وقطعته بين قديم تنزيله وحديث رسوله ، ويوجه ذلك إلى رضاه وقبوله ، فقدر الحامل قدر محموله . وما امتطيت من المشقة ما امتطيت ، ولا تخطيت إلى الأئمة ما تخطيت ، إلا لتلقي القرآن غضّا من أفواههم ، وتثقيف أود الحروف عن ألسنتهم وشفاههم ، فيتصل بالأداء الأداء ، ويرتقي بنا الاهتداء في أقوام سمت غير ذي عوج ، ولاءمت بين سماطي ثقات وسطوي هداة أثبات ، يهدوننا في كل مجهل ، ويورد بنا إليه صلى اللّه عليه وسلم من منهل إلى منهل ، حتى تصافح بنانه ، وتسمع فصاحته وبيانه ، وتراه يقرئ زيدا وأبيّا ، ويبشرهم بالإيمان حيّا فحيّا . ومن ركب هذه المحجة البيضاء ، واستنار بنور اللّه واستضاء ، ولم يعد إلى هذه المنزلة طافح همته ولامح طرفه ، وتمسك بكتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فقد استمسك بالعروة الوثقى ، ورقى أعلى مرتقى ، وترك الخلاف للإجماع والافتراق للاجتماع ، وفاز بملء القلوب والأسماع ، كتاب عزيز أحكمه وفصله ، وقرآن عظيم / نزّله ووصله ، وتكفل بحفظه ولا ضيعه على ما تكفله ، لا يدركه البلى ، ولا يزيده إلا جدة كثرة ما يتلى ، معدن الحكم ومعجز الأمم ، ومناح الفكر والفطن ، وينبوع الفرائض والسنن ، ينفد « 1 » البحر ولا ينفد « 1 » عجائبه ، ويحصى القطر ولا تحصى غرائبه ، يسره بلسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم للذكر والإفهام ، وجعله قيما غير ذي عوج من الكلام ، ووصله بالنظائر والأشكال ، وفصله بالحكم البالغة والأمثال ، وجلّ عن المثال ، وتمت به النعمة ، وكمل الدين كل الكمال ، لو أنزل على الجبال لتصدعت من خشية
--> ( 1 ) في الأصل : ( ينفذ ) ، وهو خطأ ، قال اللّه تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ الكهف : 109 ] .